محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف

138

في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )

فكانت المعجزة المحمدية معجزة تتفق وعصرها وكذلك مع طبيعة البيئة العربية التي كانت إذ ذاك تحفل بالفصاحة وتعتد بالبيان . يضاف إلى ذلك أن الاسلام يمثل آخر الرسالات السماوية . وقد جاء زمانها حينما كانت البشرية قد بلغت شأوا بعيدا من النضج ، في عصر تاريخي متأخر نسبيا . فلم يعد من المقنع القيام بالمعجزات الشبيهة بالسحر ، وإنما أصبح الوقت وقت الإقناع بالمنطق والحجة الدعوة إلى سبيل اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة . يقول القاضي عبد الجبار في كتابه المغنى : « إنه تعالى خص رسوله بالقرآن من حيث ختم به النبوة ، وبعثه إلى الناس كافة ، وجعل شريعته مؤيدة ، لأن غيره من المعجزات كان يجوز أن يدرس على الأوقات ( أي يختفي مع الزمن ) ، ويضعف النقل فيه ، وذلك لا يتأتى في القرآن « 1 » » . ويستدل من قول القاضي عبد الجبار هذا أن القرآن معجزة دائمة لا تنقطع ، في حين كانت معجزات الأنبياء السابقين في الزمن على محمد مما حدث وقت دعوتهم ثم انقطع ، فلم يشاهده إلا بعض من عاصر هؤلاء الأنبياء ، أما القرآن فهو معجزة باقية على الأيام تخاطب العقل والروح . ومن الثابت بالتواتر أن الرسول تحدى العرب بالقرآن ، وأنهم عجزوا عن الإتيان بمثله . وفي القرآن الكريم نصوص تسجل مراحل التحدي . قال تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( الاسراء : 88 ) وتحداهم بعد ذلك بأن يأتوا بعشر سور . قال تعالى :

--> ( 1 ) المغنى ، ج 16 ، ص 165 .